أبي طالب المكي

62

علم القلوب

علي بن أبي طالب ، رضى اللّه عنه ، في كلامه إلى الأرض لا تخلو من قائم للّه بحجة ، إما ظاهر مكشوف ، وإما خائف مرغوب « 1 » ، وكم وأين أولئك الأقلون عددا والأعظمون قدرا ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة ، صحبوا الدنيا بأبدان وأرواحها معلقة بالمحل الأعلى ، أولئك العلماء الربانيون . وكان الحسن يقول : اعلموا ما شئتم أن تعلموا ، فو اللّه لا يأجركم اللّه عليه حتى تعملوا ، وإن السفهاء همتهم الرواية ، كما كان العلماء همتهم الرعاية . وفي الخبر : كل يحتاج إلى العلم ، [ ويحتاج إلى أن ] يعمل ويعلم . قال لقمان الحكيم : يا بنى ، كما لا يصلح الزرع إلا بالماء والتراب ، كذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعلم والعمل . والرابع : جاهل لسانه جاهل قلبه ، وهم الذين حذر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن تكون منهم ، فقال : « كن عالما ، أو متعلما ، أو مستمعا ، أو محبا ، ولا تكونن خامسا فتهلك » ، وقيل في معنى الخامس هو المبغض للعلماء . وقال المزنى : أيها الطالب العلم ، اجعل حفظ العلم حفظ رعاية ، ولا تجعله « 2 » حفظ رواية ، فإن رواية الحكمة كثيرة ورعايتها قليلة « 3 » ، ورب حاضر غائب ، وعالم جاهل ، وحامل للكتاب « 4 » والسنة ، وليس معه منها شئ ، فانظر فيم طلبته ولمن أردته ، فإنك موقوف عليه ، ومسؤول عنه ، ومجازى به . قال الحكيم : ستة أشياء من طبائع الجاهلين : من غضب من غير حق فهو جاهل ، ومن أعطى في غير حق فهو جاهل ، ومن كثر كلامه من غير نفع فهو جاهل . قال علي بن أبي طالب ، رضى اللّه عنه ، في صفة أهل الجهل : همج « 5 » ، رعاع ، وهو حفيف الطيار لا عقل له يثبته ، ذليل يستقزه الطمع ، ويستخفه الغضب . ثم قال في وصفهم : أتباع كل ناعق ، أي كلما سمع صوتا عاليا ابتدر يعد إليه ، لا يعرف العالم من المتكلم . ثم قال في تمام وصفهم : يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور

--> ( 1 ) أي معتزل يرغب الناس في لقائه هو لا يريد ذلك . ( 2 ) في الأصل : ولا تجعلها . ( 3 ) في الأصل : قليل . ( 4 ) في الأصل : لكتاب . ( 5 ) الهمج جمع همجة ، وهو ذباب صغير كالبعوضة يسقط على وجوه الغنم والحمير وأعينها .